المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام
روسيا وتسويات دير الزور.. مهام محلية ودولية بحصان طروادة واحد

روسيا وتسويات دير الزور.. مهام محلية ودولية بحصان طروادة...

روسيا وتسويات دير الزور.. مهام محلية ودولية بحصان طروادة واحد

 

إعداد: الباحث رشيد حوراني
تاريخ النشر: 2022/03/23

 

مقدمة:

باتت روسيا تعتمد في تدخلاتها العسكرية، ومنها تدخلها العسكري في سورية، على ما يُعرف بالحرب الهجينة، وتستخدم فيها الأساليب العسكرية التقليدية، وغير التقليدية ضد الطرف المعادي. وتشمل الأساليب غير التقليدية كل ما من شأنه التأثير على الوعي الجماهيري للمجتمع، والاستفادة من منافع الطرف المعادي "الخصم" وهزيمته وجعله قابلا للإدارة، وتستمد ذلك مما يسمى في أدبياتها العسكرية "عقيدة غيرا سيموف" نسبة إلى القائد الأعلى للقوات الروسية "فاليري غيراسيموف" الذي رأى أن نسبة نجاح التدابير غير العسكرية تصل إلى أربعة أضعاف الإجراءات العسكرية في الحروب.

 

تعتبر "التسويات أو المصالحات" إحدى أدوات الحرب الهجينة الروسية في سورية، وعملت على تنفيذها وفق نموذجين؛ الأول استراتيجي "اتفاقات خفض التصعيد"، والثاني "تكتيكي" يخصُّ مدينة أو بلدة بعينها، ولذلك مهّدَ النظام السوري لبدء عملية التسوية في مدينة دير الزور، على لسان أمين فرع حزب البعث "رائد الغضبان" خلال اجتماع حزبي[1]؛ على أن تبدأ في 14 تشرين الثاني 2021م. لتشمل المطلوبين بشكل عام من العسكريين المنشقين عن القوات النظامية، والمُتخلفين عن الخدمة الإلزامية، إضافة إلى الرجال والنساء.

 

عكست مرحلة التحضير لبدء التسويات؛ احتدام الصراع على النفوذ، وبسط السيطرة بين الطرفين الروسي والإيراني. وتلت زيارة العميد غسان بلال ضابط أمن الفرقة الرابعة المحسوبة على إيران للمدينة؛ زيارةً لرئيس إدارة المخابرات العامة اللواء حسام لوقا[2]، اجتمع خلالها مع رئيس فرع أمن الدولة في دير الزور عبد الكريم حمادة "المشرف العام على لجان المصالحات"، ومع ضباط اللجنة الأمنية وشخصيات حزبية وعشائرية ودينية في المنطقة.     

 

أولا: اهتمام ومتابعة روسية واضحة

حضرت روسيا عرّابة التسويات؛ بقوة في تسويات مدينة دير الزور شرق سورية. وقال قائد مركز التنسيق الروسي الرائد "فلاد غان" في تصريحات نقلها موقع سناك سوري الموالي للنظام "أن المركز يسعى بالتعاون مع الجهات المختصة إلى مساعدة المواطنين المتواجدين خارج مناطق سيطرة الحكومة السورية من أجل العودة إلى منازلهم".

 

ومع انتهاء التسويات زار كل من اللواء "يهوز سمولي" رئيس مركز المصالحة الروسية السورية في قاعدة حميميم[3]، و العقيد "رسلان" قائد القوات الروسية بالمنطقة، وضابط روسي آخر برتبة نقيب؛ شيوخ ووجهاء قرى الريف الشمالي الشرقي لدير الزور. وأكد لهم اللواء "سمولي" على أن "الجانب الروسي يتابع عملية المصالحة التي تتم بالمحافظة، ووعدهم بتقديم المساعدات لقرى الريف الشمالي بدير الزور بمختلف الجوانب.

 

ثانيا: الآليات الشعبية والرسمية في سبيل تحقيق التسوية

قبل البدء بعملية التسوية في المحافظة طالبت روسيا العناصر المنضوية تحت لواء الميليشيات المحلية بالعمل على تسوية أوضاعهم. بالتزامن مع إعلام العناصر في الميليشيات الإيرانية بعمليات التسوية، ودعت لـ"حل ميليشيا الدفاع الوطني[4]، الأمر الذي دفع قائدها "فراس العراقية" لمغادرة دير الزور والتوجه إلى دمشق، ولقاء بشار الأسد، والعودة بقرار إداري يقضي بحل الميليشيا، واستثناء من ينضوي تحت التسوية، نظراً للدور الذي تلعبه هذه الميليشيا، ونشاطها السري في تمويل عمليات الأسد، إلى جانب دعمها العسكري لقواته، وبناءً على ذلك شكلت المطالبة الروسية لدى عناصر الميليشيات المحلية عامل ضغط في ظل انعدام أية بدائل ممكنة، وخلقت هاجسًا لديهم يتمثل بـ"إسقاط صفة "المقاتل" عنهم في حال الاستغناء عن خدماتهم أو حل الميليشيا، وهو ما سيُحرك ملفاتهم لدى النظام وملاحقتهم بهدف اعتقالهم.

 

ومن جانب آخر اعتمدت روسيا على بروباغندا إعلامية للترويج للتسويات، تحمل في طياتها الإغراءات، بهدف توجيه سلوك الشريحة المستهدفة، وتحقيق الهدف من الإعلان عن التسويات؛ في ضوء معرفتها بالظروف المحيطة السابقة والحالية لهم.

وأعلنت عن حصول الشخص الذي يُجري التسوية على بطاقة تسمى "تسوية"  عليها صورته، ليصبح غير مطلوب للجهات الأمنية، ويستطيع التجول بموجبها حيث يشاء، كما يحصل العسكري الفارّ على أمر مهمة لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام التسوية، على أن يلتحق مباشرة بقطعته العسكرية خلال هذه المدة وتكون الخدمة ضمن المحافظة نفسها، وتشمل إجراءات التسوية المدنيين من النساء والرجال[5].

 

أثّرتْ تلك الحملة الدعائية على قناعات العديد ممن خضع للتسوية، وخاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام السوري شرق الفرات، وشكلت قناعة لديهم مفادها "أن النظام عائد إلى المنطقة لا محالة، وأن الاستفادة من هذه الفرصة قد تجنبهم عمليات انتقامية لاحقا".

 

كما استثمر النظام السوري أيضا في الطريقة التقليدية التي طالما اعتمدها منذ بداية الاحتجاجات مطلع العام 2011م، المتمثلة  بنشاط الوجهاء العشائريين والأعيان المجتمعيين، وتأثيرهم في المجتمع، وفق مستويين:

 

المستوى الشعبي؛ وفيه لعب الوجهاء الموالون للنظام دورا من خلال الاتصال بأقاربهم وإقناعهم، سواء كانوا متواجدين في مناطق سيطرة الحكومة السورية، أو مناطق سيطرة قسد، ومنهم عبد الله الشلاش مسؤول مكتب المصالحة، ونواف البشير شيخ عشيرة البقارة وفواز الوكاع من عشيرة البوخابور في موحسن، ومحمد الموح الشمري وأحمد الموح الشمري من عشيرة شمر "البوليل"، ومهنا الفياض شيخ عشائر البوسرايا التي كانت مسؤوليته الخط الغربي من منطقة البغيلية وحتى منطقة التبني. و في مدينة الميادين عبد الغفور العلاوي و أكرم الخضر "قيادي في ميليشيا الأكرمين"[6]. وفي منطقة العشارة كمال الجويد. وفي منطقة الصبيخان اعتمد على شخصين بدر وعلي الدَسم في منطقة تمتد من العشارة وحتى منطقة الكشمة. وتم الاعتماد في مدينة البوكمال على كل من هاني مد الله وفرحان المرسومي وأبو عيسى المشهداني "مسؤول عسكري في الفوج 47 التابع للميليشيات الإيرانية"[7].

 

المستوى الرسمي؛ من خلال نشاط مدير أوقاف محافظة دير الزور التابعة للحكومة السورية "الشيخ عبد الهادي عبوش"، وتعميمه على خطباء المساجد تخصيص بعض خطب الجمعة، لحثّ الناس على التواصل مع أقاربهم وإقناعهم بالعودة وتسوية أوضاعهم، والاستفادة من المصالحة الوطنية، وقيامه بجولات للقاء ببعض وجهاء وشيوخ الدين في مدينة البوكمال ومدينة الميادين وبعض قرى ريف دير الزور الشرقي لحث المواطنين على العودة وتسوية أوضاعهم، بالإضافة إلى دور قيادات فرع حزب البعث في دير الزور، وفرع أمن الدولة الذي أعلن عن فتح باب التسوية داخل الفرع للراغبين في الاستفادة من هذه الفرصة[8].

 

ثالثا: الأهداف المرجوة من التسويات

 أبدى النظام السوري، وبدعم من روسيا التي تقف وراء تلك المصالحات؛ اهتماماً ملحوظا بها، والتي كان قد أعلن عنها في مدينة دير الزور والمناطق التابعة لها، بما فيها الخارجة عن سيطرته أيضا.  

ويسعيان من خلالها إلى تحقيق نوعين من الأهداف مركبة ومتداخلة فيما بينها، ومترابطة مع التطورات الخاصة بالساحة السورية على المستوى الدولي.

تتعلق الأهداف الداخلية ضمن محور التحالف الواحد على الساحة السورية الذي يضم كل من "روسيا والنظام السوري وإيران"، حيث تسعى روسيا بشكل حثيث ودائم إلى ضبط إيقاع الميليشيات الرديفة، دون مواجهة مباشرة، مع أطراف الحلف الذي تنتمي له، وتعمل على تفكيكها بشكل متدرج، وتقع ميليشيا الدفاع الوطني في مقدمتها باعتبار عناصرها يخضعون لعقود تشغيل وليس تطوعًا نظاميًّا، والاستفادة منهم في مرحلة لاحقة بعد خضوعهم للتسويات في تعزيز القوام البشري للفيلق الخامس المدعوم من روسيا، وينتشر في دير الزور من خلال لواءين "السابع والخامس"، خاصة أن تجاوزات الدفاع الوطني من احتيال وتجارة المخدرات وتهريب واشتباكات مع الميليشيات الإيرانية؛ بلغت حدًّا لم يعد يُقبل به.

 

وينطبق الأمر نفسه على العناصر المحليين في الميليشيات الإيرانية، لرغبة روسيا في إضعاف هذه الميليشيات أيضا، مسايرةً للوضع الدولي الذي يطالب إيران بالحدِّ من نفوذها في سوريا، ويستهدف التحالف الدولي مقرات ميليشياتها بشكل مستمر لتحقيق هذه الغاية.

 

ويندرج ضمن الأهداف "الداخلية والخارجية" في "أن سعي روسيا إلى احتواءَ المناطق بالتسويات؛ يتزامن مع حرصها على تأهيل النظام، وقدرته الإدارية والأمنية على الاستمرار في المرحلة المقبلة، وتصدير ذلك عربيا ودوليا في محاولاتها الرامية إلى الاعتراف بالنظام في آن واحد. 

 

كما اجتهدت القوات النظامية السورية وروسيا من خلال التسوية في المدينة بترغيب المطلوبين للخدمة الالزامية والاحتياطية والمتخلفين عنها، لتعويض النقص في الكادر البشري ضمن الوحدات العسكرية، والاستفادة من القادمين من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والتحقيق معهم وجمع أكبر قدر من المعلومات عن النشاطات المدنية والعسكرية في تلك المناطق، أو زرع العملاء منهم وإعادته من حيث أتى بعد تسوية وضعه والتحاقه بصفوف إحدى الوحدات الأمنية والعسكرية على غرار ما تم في درعا جنوب سورية[9].

 

أما الأهداف الخارجية التي رمت إلى تحقيقها روسيا؛ فهي تُعتبر بمثابة رسائل للأطراف المحلية كقوات سورية الديمقراطية، والأطراف الاقليمية والدولية كتركيا وأمريكا". من خلال تشكيل ضغط على قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بالتزامن مع الضغوط التي تعانيها الأخيرة المتمثلة بتصعيد للجيش التركي والفصائل المدعومة من قبله، وإغلاق المعبر البري الوحيد التي تسيطر عليه ويصلها بكردستان العراق، وتخوفها "قسد" أن تعيد أمريكا انسحابها المفاجئ من أفغانستان؛ في سورية. كما تسعى كل من "روسيا والنظام السوري" إلى إرسال الرسائل لكل من تركيا وأمريكا باستمرارها في التمدد في المنطقة، وتقليص نفوذهما، والتعامل معهما كدول محتلة، باعتبار روسيا تدعي بشكل دائم أنها تدخلت في سورية بناء على طلب الحكومة الشرعية، الأمر الذي تفتقده الدولتان المذكورتان.

 

يعكس إبقاء باب المصالحات مفتوحاً حتى تاريخ كتابة هذه المادة؛ الفشل في تحقيق الأهداف المرجوة منها، أو أنها تحققت بنسب ضئيلة. ففي الوقت الذي رأت "قسد" فيها تهديدا لها، وتركت آثارا في صفوفها ظهر من خلال امتعاضها منها على لسان الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في "الإدارة الذاتية" عبد حامد المهباش بقوله: "أن التسويات والمصالحات التي تجريها حكومة النظام لا تُفيد في حل الأزمة السورية، ولا تتناسب مع حجمها"[10]. ومن جانب آخر فشلت التسويات في تحقيق جذب الطاقات البشرية التي يعاني النظام السوري من نقص كبير بها، الأمر الذي دفع مسؤولي النظام إلى الإعلان عن استياءهم من إحجام أبناء المدينة عنها، والكشف عن وصول عدد المطلوبين إلى /280/ ألف من المنطقة، في حين لم يتقدم للتسويات إلا بضعة مئات[11]. كما أنها لم تلجم الميليشيات الإيرانية التي منعت في مدينة البوكمال كل من الروس والنظام من إجراء المصالحات وقامت بطرد الطرفين، إلا أنها وافقت بعد مفاوضات معها على بناء خيام بجانب مقر الشبيبة، ثم اعتقلت تلك الميليشيات الكثير ممن خضع للتسوية. كما أنها عوضت خسرانها لبعض العناصر المحليين بالإعلان عن دورات تطوع جديدة لميليشياتها، تستهدف من خلال تلك الحملات الذين عملت على تنشئتهم في صفوف الكشافة في المراكز الاجتماعية التي تديرها وتدعمها.

 

تعيش المنطقة حالة من التعبئة والتحشيد ضد المكون الكردي "قوات قسد" تقوم بها كل من مؤسسات النظام السوري والميليشيات الإيرانية، مستفيدين من تذمر الأهالي من حالة التهميش والإقصاء وعدم مراعاة الأعراف والتقاليد، التي تمارسها الإدارة الذاتية بحق المكون العربي في مناطق سيطرتها بشكل عام، وفي مدينة دير الزور بشكل خاص، ما يجعل المنطقة تقف أمام سيناريوهات متعددة، منها التوجه إلى التسويات مع النظام، الذي أبقى بابها مفتوحا في المدينة، ويعمل على توسعتها في مناطق أخرى، لذلك أعلن عن البدء بها في محافظة الرقة بتاريخ 12 كانون الثاني /يناير 2022م، وافتتح أولى مراكزها في مدينة السبخة التابع لريف المحافظة[12].

 

رابعا: التسويات في الميزان الدولي

يُعتبر الحديث الذي أدلى به "جويل رايبون" المبعوث الأمريكي السابق إلى سورية، عن خريطة الطريق المتكاملة التي تقدمت بها الولايات المتحدة في العام 2018م، ورفضتها روسيا، على الرغم أنها تهدف إلى فرض حل سياسي في سوريا؛ ويأتي على رأس تلك الخطة قطع العلاقات العسكرية مع إيران، تأكيداً للموقف الأمريكي من النفوذ الإيراني في سورية وضرورة الحد منه. لكنه يعكس من جانب آخر أن واشنطن لا تمتلك حتى اللحظة موقفاً صارماً منه، بل إن المفاوضات في فيينا بين الغرب وإيران تتجنب الحديث عن ذلك[13].  كما يعكس وجود أرضية مشتركية بين الطرفين "واشنطن وموسكو" لعقد تفاهمات مرحلية في سورية، دون وجود اتفاق نهائي، منها التسويات التي بدأت في مدينة درعا أواخر العام 2021م، وأشرفت عليها روسيا، واستمرت بتعميمها حتى وصلت مدينة دير الزور.

 

أظهرت التسويات التي أعلنت عنها روسيا، ضعف الدور الإيراني، ومحاولته المناورة، لتجنب المواجهة المباشرة مع الجانب الروسي. ولم تقف روسيا عند عملية التسويات للتأثير على الجانب الإيراني؛ بل تولت مهمة التنسيق والترتيب للمفاوضات التي تجري بين "قسد"، والنظام السوري من جهة، وبين النظام السوري و"قسد" وتركيا من جهة أخرى، كما تقوم قوات النظام بأوامر روسية باستفزازات عسكرية على المحاور المشتركة مع قسد، وهي استفزازات رغم قلتها، إلا أنها تقع في سياق جسّ النبض لرد الفعل عليها، وإمكانية تطويرها مستقبلا.

أما بالنسبة للولايات الأمريكية المتحدة فهي ترى في التسويات التي تشرف عليها روسيا، وغيرها من التدابير التي تقوم بها أنها تقع ضمن الحدود المطلوبة، دون أن تتجاوزها، وتشكل عامل تهديدٍ لحزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكري قوات سورية الديمقراطية "قسد"، وتدفعه إلى استئناف الحوار الكردي الكردي الذي يرعاه الدبلوماسي الأميركي "ديفيد براونشتاين" منذ عام تقريباً. والتوصل إلى اتفاق بين "المجلس الوطني الكردي في سوريا"، وأحزاب "الوحدة الوطنية الكردية" وأكبرها "حزب الاتحاد الديمقراطي - PYD"[14].

 

بناءً على ما سبق يتحول ميزان القوى بالتدريج لصالح روسيا على حساب النظام السوري وإيران، ناهيك عن تحكم روسيا بالموارد الاقتصادية في المنطقة، وتطلعها لانسحاب محتمل للقوات الأمريكية، أو إعادة انتشارها، وملء الفراغ الناجم عنه، على غرار ما شهدته المنطقة عقب عملية العسكرية التركية "نبع السلام" والوصول بسببها إلى اتفاقين بين تركيا وأمريكا وروسيا، غيَّرا خارطة النفوذ في المنطقة.

 

خامسا: السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول: استمرار النظام السوري وروسيا في السياسة المتبعة في المدينة، والإبقاء على باب التسويات مفتوحًا لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الراغبين فيها، وكذلك الإبقاء على هامش ضعيف للميليشيات الإيرانية في التحرك الميداني ضمن إطار تحالف الضرورة بينهما، خاصة أن روسيا تتحكم بالقرار العسكري، والتنسيق مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فيما يخص الطلعات الجوية التي تستهدف مقرات وأماكن تواجد الميليشيات الإيرانية، دون الاهتمام من قبل كافة الأطراف بالعمل على تحسين الواقع الأمني والاقتصاد والخدمات، والاستمرار في عمليات المداهمة والاعتقالات التعسفية بهدف التجنيد.

 

السيناريو الثاني: يتمثل في الهجرة بشكل نهائي من المنطقة، ويقف وراء ذلك عاملان، الأول هو الملاحقات والتشديد الأمني، والاعتقالات التي طالت الأشخاص ممن أجروا التسويات في نظام الأسد، أما الثاني هو ضعف البنية التحتية لتلك المناطق، وعدم توفر الخدمات الرئيسية، وفرص العمل، وغياب أي دعم مادي أو معنوي يمكن له أن يسد العجز الاقتصادي. لتصبح حالة الاستعداد للهجرة؛ ظاهرة من الظواهر الحاضرة، تتزايد فيها النسبة لصالح فئة الشباب باتجاه مناطق الإدارة الذاتية التي تسيطر عليها "قسد، أو مناطق سيطرة فصائل المعارضة في الشمال، أو تركيا، أو إقليم كردستان العراق، أما من يمتلك المبلغ الكافي من المقتدرين مادياً فهؤلاء ينشدون أوروبا وتحديداً ألمانيا[15]. و كل ذلك بالتزامن مع ما يسمى بعمليات التسوية التي أطلقها النظام في مدينة دير الزور.

 

السيناريو الثالث: الاندفاع من قبل الحاضنة الشعبية للتعاون مع تنظيم داعش في ظل اللامركزية التي أصبحت ترافق عملياته، من خلال تقديم المعلومات الاستخباراتية أو التسهيلات اللوجستية له، للرد على الامتهان والابتزاز المُمَارس من قبل القوى المتحكمة "النظام والميليشيات الإيرانية. ولهذا السيناريو مخاطره التي تتمثل في جانبين:

 

1– ازدياد الفرص التي تدفع أفراد في المجتمع للتعاون مع التنظيم؛ خاصة أن العمل معه لا يتطلب في المرحلة الحالية ما كان يتطلبه سابقا من قبيل "البيعة أو العمل ضمن أجهزته"، الأمر الذي يشكل بقاء دوامة الصراع مستمرة.

 

2– تفتيت المجتمع والتأثير على التماسك المجتمعي ومشروع المصالحة المجتمعية مع استمرار الاستقطاب من كافة الأطراف، وغياب البرامج الخاصة بتهيئة المجتمع لعملية المصالحة الشاملة التي تتوافق مع حقوق الإنسان الدوليّة والقانون الإنساني الدولي.

 

الخاتمة

ينتمي معظم الأشخاص الذين خضعوا للتسويات إلى الميليشيات الرديفة لقوات النظام[16]، والتي تعمل روسيا على ضبطها، خاصة أن تلك التسويات تزامنت مع إعلان شركة "المهمات الخاصة للحماية والحراسات الأمنية" (شركة سورية تعمل لمصلحة الروس في مناطق سيطرة النظام) أعلنت عن توفير "فرص عمل" بصفة "حرس طبيعة" (حراسة منشآت نفطية) في سبع مناطق بريف محافظة دير الزور شرق سورية[17]، بينما يسعى النظام من خلالها لإظهار نفسه على أنه استعاد السيطرة على البلاد، من أجل تحسين صورته أمام العالم، دون الأخذ بعين الاعتبار حالة العجز التي يعاني منها على المستوى الأمني والاقتصادي وانعكاساته السلبية على العملية التي يحاول من خلالها تسويق نفسه "التسويات".

 


المراجع:

[1] تلفزيون سوريا – نظام الأسد يمهد لتسوية جديدة في دير الزور...فما تفاصيلها

[2] موقع دير الزور24 – لوقا يصل إلى دير الزور

[3] تلفزيون سوريا – لواء روسي قادم من قاعدة "حميميم" يلتقي شيوخ عشائر بريف دير الزور الشرقي

[4] موقع دير الزور24- روسيا تطالب بحل ميليشيات الدفاع الوطني، وفشل ذريع في عمليات التسوية المزعومة

[5] أوغاريت بوست – الحكومة تبدأ عملية تسوية شاملة في دير الزور

[6] ميليشيا الأكرمين: تأسست في عام 2019م من عناصر من أبناء المنطقة، و تتبع للدفاع الوطني، ثم تحولت تبعتيها للحرس الثوري الإيراني، يترأسها أكرم احمد الخضر من مواليد 1989 م، ونائبه أخوه محمد أحمد الخضر من مواليد 1992م، و عناصرها من مدينة الميادين، أغلبهم من عشيرة الكلعيين، تشيع قسم منهم، وبقي قسم آخر على مذهبه السني، و ينحصر تواجدها في مدينة الميادين. ويقيم المسؤول الإيراني عنها "الحاج رضا" في مدينة محكان.

[7] عمر خطاب باحث ميداني من مدينة دير الزور (مقابلة من قبل الباحث معد الدراسة بتاريخ 23/ 1/ 2022م)   

[8] موقع درج – محمد حسان – النظام يصالح أهل دير الزور

[9] النقيب زعال المجول المنحدر من مدينة دير الزور والمنشق من صفوف الفرقة الرابعة (مقابلة من قبل الباحث مُعد الدراسة بتاريخ 23/ 1/ 2022م)   

[10] Thelevantn -  الإدارة الذاتية: تسويات النظام السوري في شمال شرق سوريا مسكنات لا تعالج الأزمة

[11] موقع دير الزور24- قوات الأسد تعلن استياءها من إحجام أبناء دير الزور عن التسويات

[12] وكالة سانا – انطلاق التسوية في الرقة، واستمرارها في الشميطية بريف دير الزور

[13] موقع العين الإخبارية – عبد الجليل السعيد - تفاهم أمريكي روسي حول سوريا.. "خطوة مقابل خطوة"

[14] تلفزيون سوريا – بهدف استئناف الحوار الكردي.. مساعد وزير الخارجية الأميركي يزور شمال شرقي سوريا

[15] تلفزيون سوريا – خالد نور الدين - مدينة دير الزور.. الهرب إلى المجهول أفضل من البقاء في جحيم الأسد

[16] عربي21 – معتز عبيد – هكذا انقلب النظام السوري على التسوية في دير الزور

[17] العربي الجديد – محمد الأحمد - عقود تجنيد جديدة لمصلحة الروس في دير الزور وإدلب

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على ورقة تقدير الموقف كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أسفل الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2022

631.74 كيلوبايت

تابعنا على الفيسبوك

القائمة البريدية


تابعنا على تويتر

جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2022 / تنفيذ وتطوير شركة SkyIn /