انحدار السياسة الإيرانية في سوريا.. الأسباب والتداعيات

Google Plus Share
Facebook Share

الكاتب: النقيب رشيد حوراني

تاريخ النشر: 2018/02/16

 

مقدمة

استند صعود دور إيران في النطاق الاقليمي إلى البعد الإيديولوجي للنظام الذي وُظف لخلق أذرع عسكرية غير رسمية أو كسب ولاء قوى سياسية وعسكرية داخل الدول، وإلى الامكانيات المادية والثروات المتنوعة التي تمتلكها والقدرات العسكرية الذاتية، إضافة إلى محركات هذا السلوك الخارجي؛ الذي يرتبط بشكل كبير بالمحيط الذي يحيط بتلك الدولة وتتحرك داخله ومن خلاله.

 

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي ازداد حجم هذا الدور، وأدى اندلاع الثورة في سورية في آذار من العام 2011م إلى انتقال علاقة إيران بسوريا من شراكة استراتيجية إلى حضور سياسي كبير ووجود عسكري معلن وهيمنة كبيرة على تطورات الأحداث والمشاركة أو اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية للنظام إن صح القول، نظرا لما تخدم به سوريا استراتيجيّة إيران في المنطقة، وما تمثله من رابط حيويّ ما بين طهران وحزب الله، وما تؤمّنه لطهران من دفاع عن ممرات عبور السلاح للحزب في لبنان من ناحية، والتصدّي -وفقًا للاستراتيجيّة الإيرانيّة- للمحور الإقليميّ العربيّ الذي يهدف إلى احتواء المجال الجيو-سياسيّ المتزايد لإيران من ناحية أخرى، وما التصريحات المتكررة في مناسبات متعددة لقادة إيرانيين سياسيين أو عسكريين أو رجال دين منها ما قاله مهدي طيب "بأن سوريا هي المحافظة الإيرانيّة رقم 35، وإذا فقدنا سوريا فلا يمكننا أن نحافظ على طهران" إلا دليلا على ذلك[1].

 

 أدى النفوذ الإيراني في سوريا إلى فشل الحل السياسي لأنها رفضت مقررات جنيف التي تنطلق من أرضية التوافق حول الانتقال السياسي وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة ،وراهنت على الحل العسكري والقضاء على المعارضة المسلحة بالقوة.

 

ورغم تدخل روسيا عسكرياً في سوريا أواخر عام 2015م وتحالفها مع إيران على أرض المعارك المشتركة، غير أن موسكو تدرك اختلاف دوافع إيران للتعاون معها في سوريا نظرا لتاريخ العلاقات بين البلدين الذي أخذ طابع التعاون تارة والتنافس تارة أخرى.

 

وبعد توصل كل من (روسيا – تركيا – إيران) إلى اتفاق خفض التصعيد أواخر العام 2016م على الأراضي السورية كدول ضامنة له ظهر هذا الاختلاف جلياً بعدم التزام إيران به سعيا منها لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية.

 

ومع استلام دونالد ترامب رئاسة الإدارة الأمريكية ازداد الضغط على إيران وذلك من خلال إظهار إدارته لاتجاه جديد تتبناه في التعاطي مع الملف الإيراني، تتمثل أبرز ملامحه بتهديد ترامب بمراجعة الاتفاق النووي، إضافة إلى التقارب الأمريكي الروسي الذي بدأ من اتفاق ترامب وبوتين أثناء قمة العشرين بهامبورغ بألمانيا على تخفيض التوتر في بعض المناطق، ووضع تصور لتسوية سياسية انعكست بوادرها على لقاء جنيف في تموز 2017، كل ماسبق يأتي ضمن سياسة تستهدف تحجيم نفوذ إيران في سوريا والمنطقة بشكل عام.

 

تأتي هذه الورقة لتبحث في الأسباب التي تُظهر بوضوح انحسار الدور الإيراني على الساحة السورية رغم الكلفة العالية لدعم حلفائها في المال والسلاح، وما يمثله هذا الانحسار على مشروعها المتمثل بتصدير "الثورة الإسلامية" (الحلم الفارسي)

 

أولا: العوامل المؤثرة على الدور الإيراني في سوريا

 

تدرك إيران أن الأولوية بالنسبة إلى موسكو كانت وستظل دائما للعلاقة مع الغرب الذي تربطه شبكة من المصالح الجيو – استراتيجية والاقتصادية مع روسيا، كما تدرك أدوار القوى المنافسة لها في علاقتها التشاركية مع روسيا في سوريا وهي (أمريكا – تركيا – إسرائيل) التي لعبت أدوارا مميزة في تقارب أو تباعد التحالف الروسي – الإيراني في سوريا[2]، ونجم عنه مجموعة من العوامل المركبة والمتداخلة التي تشير إلى تراجع دورها على حساب الأطراف والفواعل الأخرى الإقليمية والدولية تتمثل بما يلي:

 

1 - تأثير التدخل العسكري الروسي:

 

أتى التدخل العسكري الروسي بعد أن سبقه التدخل العسكري الإيراني ورغم ذلك بقيت العلاقة بين الطرفين متأرجحة ولم تتحول إلى شراكة استراتيجية وتكشفت الخلافات بين الرؤى والمصالح الإيرانية مع المصالح الروسية في سوريا في وقت مبكر منذ أن قَبِلَ الجانب الروسي بمسار الحل السلمي جنبا إلى جنب مع مسار الحرب ضد الإرهاب، ثم أخذت معالم اختلاف المواقف تتبلور أكثر في مسائل كثيرة منها مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد.

 فإيران ترى في بقاء الأسد هدفا أساسيا بينما ترى روسيا أهمية لبقاء الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية، من دون أن يعني ذلك بقاء الأسد لفترة طويلة على رأس النظام[3]، وسعيها إلى تحقيق مكاسب ميدانية وفرض سياسة الأمر الواقع بموجبها على كل من المعارضة السورية والمجتمع الدولي وأن يكون سقف الحل السياسي تشكيل حكومة وطنية يشارك فيها النظام والمعارضة، مع بقاء الأسد على رأس الدولة.

 ‍

ومن معالم الاختلاف بين الروس وإيران أيضا عدم رضى الأخيرة عن كل الاتفاقيات التي توصلت إليها روسيا بدءا من اتفاقية وقف الاعمال العدائية التي توصلت إليها بالتعاون مع واشنطن بتاريخ 27 شباط 2016م وصولا إلى مفاوضات مناطق خفض التصعيد وكيف أقسم المندوب الإيراني في مؤتمر أستانة6 بأنه لن يتم اتفاق ادلب وستعمل إيران على تخريبه[4]، كما يشكل الموقف من السوريين الأكراد مسألة خلافية كبيرة بين موسكو وطهران. وتراقب عن قرب العلاقات بين الأكراد وكل من روسيا والولايات المتحدة كونها لا تؤيد المشروع الكردي في الشمال السوري، وكان ذلك واضحًا من خلال موقفها الرافض لإعلان فدرالية "روج أفا" في شمال سوريا.

 

وتعترض روسيا على قيام إيران بتنظيم عدة ميليشيات داعمة للنظام السوري وتدريبها وتسليحها لأنها ترى ضرورة الحفاظ على الحكومة السورية المركزية، من خلال دعم الجيش السوري وتسليحه، وذلك يشكّل ضمانة لوحدة الدولة وعدم الوقوع في حالة من الفوضى على غرار ما حدث في العراق وليبيا. لذلك عملت على تذويب الميليشيات الإيرانية وتقليص دورها من خلال تشكيل الفيلق الخامس والإشراف على تدريبه وتسليحه مرورا بترك ميليشياتها في معارك متعددة وخاصة على جبهات مدينة حلب بدون غطاء جوي لها من الحليف الروسي[5]، إضافة إلى أن روسيا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاسرائيلية التي تعلن إيران عداءها لها ولذلك تعتمد روسيا سياسة متوازنة بين الطرفين[6]

 

2 - اتفاقية الجنوب وإبعاد الميليشيات الإيرانية:

تسعى إيران لوجود في الجنوب السوري كخط متقدم لحماية طريق دمشق بغداد وتحقيق تهديد لإسرائيل لامتلاك ورقة مساومة مع القوى الكبرى فيما يتعلق بالساحة السورية، إلا أن المواقف الروسية تُشير إلى أن تفاهمًا روسيًا إسرائيليًا بمراعاة مصالح “إسرائيل” وهواجسها الأمنية قد تمّ بين الطرفين[7]، وتشكل مع الأردن جزءا منه نظرا لحدودهما المشتركة مع سورية وقلقهما من امتداد آثار القتال عبر الحدود، ورفضهما أي تواجد للميليشيات الإيرانية على حدودهما،  وكان أبرز تجلياته في اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية أنه تضمن إبعاد المليشيات التي ترعاها إيران حتى عمق 40 كم، كون تلك المليشيات الإيرانية تتواجد بالقرب من الحدود السورية-الإسرائيلية، وعلى مسافة لا تتجاوز في بعض المواقع كيلومترين. الأمر الذي ترفضه إسرائيل بشكل قطعي، وتنفذ ضربات جوية بين الحين والآخر لردع المليشيات، وبسبب ذلك نفذت المليشيات انسحابات بعيدة جزئياً في منطقة نبع الفوار و"اللواء 90[8]".

 

بما أن إيران تمتلك بعض الأوراق التي يمكن تحريكها والتأثير من خلالها كالميليشيات المسلحة المنتشرة على الأرض فبدأت بتشكيل ما يعرف باللواء 313 التابع للحرس الثوري الإيراني بمحافظة درعا جنوب سوريا واتخذ مدينة ازرع في ريف درعا مقراً له، حيث يقوم بتجنيد الشباب السوريين وتسليمهم بطاقات تحمل شعار الحرس الثوري تضمن لهم المرور على حواجز النظام معتمدين على إغراء الشباب بالمبالغ المالية الكبيرة التي سيتقاضاها بعد انضمامه[9]، وإنشاء قاعدة عسكرية ضخمة دائمة جنوبي العاصمة السورية دمشق منطقة الكسوة (14 كم جنوبي دمشق) وعلى بعد نحو 50 كم من مرتفعات الجولان المحتلة المشمولة باتفاق الجنوب، للالتفاف على اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية، أو إطلاق إيران لصواريخ مضادة للطيران الإسرائيلي في 10 شباط 2018م في الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة هجوما إعلاميا وسياسيا كاسحا ضد طهران، ما يعني أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون منح بنيامين نتنياهو شيكا مفتوحا على بياض لفتح مواجهة مع إيران [10].

 

وهو ما يشير إلى أن المشروع الإيراني في سوريا وصل إلى الحد المسموح به إقليميا ودوليا حيث يقف الدور الإيراني على الساحة السورية عند نقطة الثبات.

 

 3 - تقليص الدور الإيراني في الشمال السوري "غصن الزيتون":

عكست الحملة الاعلامية التي شنتها وسائل إعلام إيرانية ضد عملية غصن الزيتون - التي انطلقت بتاريخ 20 كانون الثاني من العام 2018م بهدف السيطرة على مدينة عفرين من قبل الجيش السوري الحر المدعوم من الجيش التركي بعد أن نسقت أنقرة مع موسكو لأجل هذه الغاية، وبيان وزارة الخارجية الإيرانية الذي دعت فيه إلى وقف فوري للعمليات العسكرية التركية في مدينة عفرين السورية، متذرعةً أن استمرار الأزمة يمكن أن يؤدي إلى تقوية “الجماعات الإرهابية” في شمال سوريا[11]-  عمق الخسارة التي تتلقاها طهران حول مستقبلها في سورية، الأمر الذي أكده  الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية الإيرانية، صادق ملكي معتبرا أن إيران هي الخاسر الأكبر من المعارك الجارية بمدينة عفرين السورية حيث أصبحت غائبة تماما عن هذا الملف بسبب الوضع المختلف لتركيا وإيران في النظام الدولي والمعادلات الإقليمية، ولعدم دقة وشمولية الحسابات الإيرانية، في وقت وظفت فيه تركيا خطر الأكراد لتعزيز نفوذها الجيوسياسي في سوريا ليكون لمعركة عفرين عواقب وخيمة على العراق ولبنان وموقف إيران بالمنطقة، وتتحول تركيا بموجبها من الخاسر في المعادلات السورية إلى اللاعب الرئيس فيها[12]. كما أكده يانيف أبراهام، الكاتب الإسرائيلي بأن التقدير الإسرائيلي في تقييم التدخل العسكري التركي في سوريا ينطلق من فرضية أن أنقرة تسعى لتقوية موقعها الاستراتيجي، قياسا بباقي الأطراف المنخرطة في الملف السوري، وتدخلها بقوة في الملف السوري يعكس رغبتها بأن تكون لاعبا مركزيا في الإقليم[13]، وما يفسر ذلك محاولة إيران استهداف القوات التركية عندما بدأت الأخيرة بتركيز نقاط المراقبة المتفق عليها في منطقة العيس جنوب حلب.

 

4 - الاحتجاجات الإيرانية في الداخل:

لم يكن التدخل الإيرانيّ في دول المنطقة مؤسسًا على علاقة طبيعية مؤسساتية بين دولتين، تسمح لهذا الدور بأن يكون مقبولًا من الأطراف كافة، إنما هو تَدخل استند إلى علاقة مذهبية وطائفية، وأسهم في إحداث تدمير مادي هائل للدول وللبنى التحتية والمساكن والخدمات، ووضع إيران في مواجه أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية، عمقت كثيرًا الفجوة الموجودة أصلًا بين النِّظام السياسي والشعب، حيث عانى المواطن الإيرانيّ من جرائها أزمات معيشية واقتصادية خانقة.

 

هذه الأزمات اضطرّته إلى الخروج والتظاهر ضدّ النّظام السياسي وسياساته الخارجية التي جعلت لحلفاء “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، الأولوية على حساب مستوى معيشة الشعب الإيرانيّ ورفاهيته، فقد تبنت حزب الله في لبنان إضافة إلى تدخلاتها الخارجية التي لا تتوقف من سوريا إلى العراق إلى اليمن والبحرين، وتواجدها بقوة على الساحتين العراقية والسورية وتقديم نفسها إلى جانب القوى التي تواجه الإرهاب وما حققته من خلال هذه المعارك من نفوذًا وحضورًا إقليميًّا قويًّا، إلا أن الاحتجاجات التي اندلعت مطلع العام الحالي في المدن الإيرانية بدأت بشعارات اقتصادية، ما لبثت أن تغيرت بسرعة لتستهدف زعيم الجمهورية الإسلامية ونظام ولاية الفقيه، مبدية اعتراضها على السياسة الخارجية التي تتسم بالتدخل والتوسع على أسس مذهبية مرددين شعارات من قبيل (لا غزة ولا لبنان نحن بدنا إيران).

 

 وقد عبّر عن ذلك  أمين سر مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي بقوله إن سلطات الجمهورية الإسلامية لا يمكن أن تتوقع من سيحتج عليها فيما بعد، مبدياً قلقه بشأن ما سيحدث في المستقبل، ومعترفا بصعوبة سبل العيش للأسر الإيرانية وبالاحتجاج على الوضع الاقتصادي، حيث أن الوضع المعيشي للناس سيء جدا وأنا لن أدخل في هذا الموضوع لأنه لا يمكنني فعل أي شيء فيه[14].

 

 5 - الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران:

تتطلع روسيا إلى أخذ دور القوة العظمى لإسقاط المسعى الأمريكي الذي يعمل على ترسيخ فرض نظام عالمي أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، كما تتطلع إلى إيران ودورها المناوئ للسياسة والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط الذي طالما طمحت روسيا للوصول إليه عبر إيران لوجود موطأ قدم لها على مياه الخليج العربية لاكتساب نفوذ ومصالح على حساب الولايات المتحدة، من هنا استخدمت طائرات روسية في آب 2016م لأول مرة قاعدة جوية إيرانية لتنفيذ ضربات في سوريا، وأعلن ذلك الجيش الروسي أن طائراته المقاتلة أنجزت مهامها من قاعدة "همدان"  كما أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن روسيا يمكن أن تستخدم قواعد عسكرية إيرانية "لمكافحة الإرهاب في سوريا"[15]، ويعتبر تخوف إيران من التواجد العسكري الأمريكي المحيط بها من كل الاتجاهات هو الدافع وراء ذلك، إلا أن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنها وزير الخارجية تيلرسون منتصف كانون الثاني من العام 2018م التي تضمنت الخطوات التي ستتخذها بلاده من الحفاظ على وحدة سوريا، ومكافحة الإرهاب، وصد النفوذ الإيراني مؤكدا على أن مصلحة واشنطن الحيوية تتمثل بالاحتفاظ بوجود عسكري ودبلوماسي في سوريا لإنهاء الصراع، وأن ابتعاد الولايات المتحدة عن سوريا سيتيح لإيران "فرصة ذهبية" لتقوية وضعها في سوريا التي أضحت برعاية إيران دولة مارقة[16]، يشير إلى أن السلوك السياسي الإيراني يمر بمرحلة إعادة تقييم في أروقة الإدارة الأمريكية، ورؤية الولايات المتحدة لدورها في المنطقة في المستقبل إذا ما أصرت إيران على نهجها العدائي وسياساتها التوسعية. وبهذه الاستراتيجية تضع الولايات المتحدة حدا لتطلعات كلا الطرفين "روسيا وإيران".

  

 

ثانيا: التداعيات الناجمة

 يأتي الانفاق العسكري الإيراني الذي يرمي من وراءه النظام في إيران إلى التمدد والتوسع على حساب الشعب الإيراني، ويحرمه من حقوقه التنموية، إلا أن الوضع الميداني بشكل خاص على الأرض في سورية سيحدد على ما يبدو مستقبل هذا الدور، إضافة إلى الآثار والنتائج الناجمة عن العوامل المؤثرة على دورها في سورية الآنفة الذكر، والتي تتمثل بــ:

 

1 - التأثير الاقتصادي السلبي على إيران:

تعلّق معظم الدول في العالم والمستثمرون ورجال الأعمال في منطقة الشرق الأوسط، آمالاً كبيرة على إعادة بناء سوريا لتوليد فرص عمل جديدة وإعادة تشغيل اقتصاداتهم التي تضررت بشكل كبير منذ اندلاع الثورة السورية في 2011م. وتحرص كل من روسيا وإيران لدور فاعل ورئيس في هذا المضمار ليحصلا ثمن الدعم السياسي والعسكري الذي قدمتاه للنظام، إلا أن هذه المسألة جعلت من الصوت الإيراني يرتفع  عبر موقع تابناك المقرب من دوائر صنع القرار حين قال: “الاتفاقيات التي جرت بين النظام السوري وموسكو عن إعادة إعمار سوريا استبعدت إيران وشركاتها من عملية إعادة الإعمار والاستثمار” واعتبر ذلك  “خدعة روسية سيئة للإيرانيين في سوريا” بموجبه ستكون طهران مضطرة لمفاوضة روسيا إذا أرادت المشاركة وإن بإجراءات صغيرة. وتساءل عن المسؤول عن حذف وإقصاء إيران من عملية إعادة إعمار سوريا[17]؟.

 

ومن ناحية أخرى انتقدت صحيفة “قانون” وثيقة الصلة بالتيار الإصلاحي رأس النظام السوري واصفة إياه: “بلا مبادئ وناكر للجميل بسبب اتفاقه مع الروس بشأن تسليم ملف إعادة إعمار سوريا لهم بدلًا من إيران”، واعتبرت أن “المصالح القومية والكرامة الإيرانية التي اكتسبها الإيرانيون بدماء العديد من قتلاهم لا ينبغي أن تُستنزف لشخص جبان مخنّث أناني”.

 

من جانبه أكد السفير الإيراني في العاشر من شباط 2018م في دمشق جواد ترك أبادي أنّ بلاده ستقف إلى جانب سورية في مرحلة إعادة الإعمار وستكون شريكة لها وتقدم كل إمكاناتها لإعادة البناء حتى تعود سورية أفضل مما كانت عليه قبل الأزمة، وأن كل ما في بلاده سيكون مسخراً للأشقاء في سورية الذين امتزجت دماء ابنائنا بدماء أبنائهم[18]، نظرا لوجود رغبة مشتركة بين شعبي وقيادتي البلدين في تمتين العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية.

 

وتعكس هذه التصريحات حجم الخسارة الاقتصادية التي لحقت بإيران جراء دعمها لنظام الأسد حيث تصل قيمة المبالغ التي تدفعها إيران لنظام الأسد بـــ/15/ مليار دولار سنويا وفق ما قدره (مركز فارس للدراسات الشرق اوسطية)  وبالتالي يؤدي التزايد والتورط بالإنفاق على ميليشيات إيران العسكرية الخارجية أثرا سلباً على النمو الاقتصادي الايراني وتراجع معدلات الادخار والاستثمار، والإنفاق في قطاعات الصحة والتعليم، وارتفاع الإنفاق العسكري الذي يؤدي الى عجز الموازنة، وتزايد الديون، وارتفاع معدلات الضرائب وتراجع إنتاجية القطاع الخاص، وهو ما ينعكس على الشارع الايراني الذي خرج للتعبير عن رفضه لتدخل إيران في صراعات في دول عربية عديدة، كما تعكس التصريحات المتعلقة بإعادة الإعمار في سورية وإقصاء الجانب الإيراني عمق الخلافات مع الجانب الروسي في سورية.

 

2 - انخفاض حدة الاستقطاب الطائفي على الساحة السورية:

بما أن النظام الإيراني يسعى معتمدا على المحدد الأيديولوجي إلى التغيير وفرض نموذجه على الجوار الاقليمي، وانطلق بالتدخل في أزمات المنطقة سواء في (العراق – اليمن – لبنان – سوريا – البحرين) من خلال دعم فئة بعينها (الطائفة الشيعية في كل بلد) موالية له سياسيا ودينيا ودفعهم إلى تمييز أنفسهم دينيا، رامية لمد نفوذها وتوسعته من خلال شبكة من التبعية الإيديولوجية والاقتصادية. فقد أدى تدخل حزب الله اللبناني بأمر من إيران بحجة حماية المراقد المقدسة، وبعده الميليشيات الطائفية إلى تأجيج التوترات الطائفية، وقد عكس تصريح الجنرال رحيم صفوي، المستشار العسكري لمرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي بأن "القرن الحالي سيشهد تشكل حكومة إسلامية عالمية، ستكون إيران مركزاً لها"[19] ، الجانب الإيديولوجي للهدف الاستراتيجي لإيران.

 

اعتمدت تلك الميليشيات خلال تدخلها إلى جانب النظام السوري بروباغندا الحشد الطائفي المكثفة التي تمارسها منابر الداعمة للقتال في سورية من المساجد والحسينيات والفضائيات والمجلات والصحف وصولا إلى وسائل الإعلام الاجتماعي إلى تشكل قوة دافعة وراء التباعد الطائفي الذي شهده الشرق الأوسط بشكل عام وسورية بشكل خاص، إضافة إلى التعبئة للجهاد (السنية الشيعية) ورفع شعارات منها " الجهاد الشامي" و لن "تسبى زينب مرتين" التي لم يسبق لها مثيل من أجل القتال في سورية، إلا أن إيران نظرا لتعدد الجبهات وطول فترة الحرب والخسائر التي تكبدتها لم تعد تلك الأدوات (حزب الله – الميليشيات الطائفية) كافية لتنفيذ مهامها في سورية، بدأت بالعمل على صناعة دول صغرى بمؤسساتها التعاضدية الخاصة وبمؤسساتها العسكرية الطائفية  على نموذج حزب الله اللبناني وحشد نسبة كبيرة من الشيعة الاثني عشرية” من السوريين إلى جانبها الذين لا يشكلون في سوريا سوى 1 – 2 في المئة من السكان، مستفيدة من تمركزهم في مناطق استراتيجيةٍ هامة استُخدمت لاعتراض خطوط التواصل والإمدادات التابعة للثوار بالقرب من حلب، والحدود اللبنانية السورية، وعلى طول الحدود الأردنية السورية، منها فوج الإمام الحجة الذي تم تشكيله بمساعدة من منظمة بدر وكتائب حزب الله من أبناء بلدتي نبل والزهراء، ولواء الرضا في مدينة حمص من أبناء قرى ( المزرعة – أم العمد – الرقة – المشرفة – الكم)[20]، ما أدى إلى زيادة ريع الانتماء الطائفي والانقسام بين مكونات المجتمع السوري.

 

أدى التدخل العسكري الروسي في سورية وميل الإدارة الروسية للوصول إلى الحل السياسي، ووصول ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية وعزمه على تقليص التمدد الإيراني في الإقليم، و التفاهم على ذلك مع روسيا، دفع الأخيرة إلى تشكيل “الفيلق الخامس اقتحام” في 22 تشرين الثاني من العام 2016م، المدعوم عسكرياً ومالياً من قاعدة حميميم العسكرية الروسية في الساحل السوري، رغبةً منها في إحكام سيطرتها على معظم التشكيلات العسكرية في سوريا[21]، وقطع الطريق على إيران من تشكيل الميليشيات الطائفية، ودمج تلك الألوية التي شكلتها إيران في صفوف الفيلق الخامس، وصولا إلى منع الميليشيات الطائفية خلال عملية السيطرة على مطار أبو ضهور من المشاركة في العمليات وكانت المشاركة من نصيب كل من قوات النمر والفيلق الخامس اللذين يعتبران تحت العباءة الروسية على نحو تام، ودعوتها إلى عقد مؤتمر الشعوب السورية الذي عقد مؤخرا بعنوان مؤتمر سوتشي للحوار، مجسدة في ذلك حرصها على الدولة السورية ومؤسساتها ومجتمعها، ما أدى بدوره إلى تراجع الدور الإيراني على الساحة السورية وبالتالي أدى إلى انخفاض حدة الخطاب والتوتر والشحن الطائفي الذي كانت تقف إيران وراءه حيث تمثل برفع الرايات والصور والأعلام الصفراء أو الخضراء المكتوب عليها شعارات "ياحسين – يازينب"، أو المقاطع المرئية التي تتعالى فيها أصوات اللطميات من قبل عناصر تلك الميليشيات، أو تنكيلهم لسكان المناطق التي يتم السيطرة عليها من قبلهم، وتلفظهم خلالها بألفاظ تنمُّ عن تعبئة طائفية مسبقة.

3 – بداية انكسار مشروع التمدد الإقليمي الإيراني:

برز النفوذ الإيراني بشكل خاص بعد الغزو الأمريكي للعراق، وزادت حدته بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011م من خلال مشاركته العلنية في مجريات الأحداث السياسية والعسكرية للنظام السوري مستغلا صعود تنظيم الدولة والتصدي له تحت غطاء القضاء على الإرهاب لتنمية دوره وتوسعته، إضافة إلى التدخل العسكري الروسي؛ إلا أن ميل الجانب الروسي لتحقيق الحل السياسي في سورية، ووصول ترامب إلى السلطة بدأ هذا الدور بالضمور مهددا المشروع الإيراني برمته.

 

واستنادا إلى تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ الثورة الإيرانية الذي يشير أن العداء السياسي هو الجانب المعلن من العلاقات فإن بينهما في الخفاء علاقات قوية وتنسيق وتعاون في العديد من قضايا المنطقة، لذلك أظهرت سياسة ترامب تحولا تجاه السياسة الإيرانية في المنطقة من خلال المزيد من الضغط على إيران فيما يتعلق بوجودها الاقليمي في مناطق الأزمات واتخذت سياسة أكثر تشددا تجاه النظام السوري حليف إيران الرئيسي بعد استخدامه السلاح الكيماوي في خان شيخون، كما قصفت قافلة أسلحة تابعة لإيران قرب قاعدة التنف[22]،  ووضعت وزارة الخزانة الأمريكية بتاريخ 14/10/2017م  الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية بسبب دعمه لنظام بشار الأسد ومنظمات إرهابية أخرى مثل حزب الله وتوفير التدريب والمعدات لهم، وأوضحت الوزارة سبب تصنيف الحرس الثوري على لائحة الإرهاب هو دعمه المباشر لنظام بشار الأسد[23].

 

وتدلل هذه المؤشرات مع أخرى قامت بها روسيا تجاه إيران ميدانية وسياسية أن دورها على المستوى الإقليمي وصل حده الأقصى ويمكن أن يكون عامل موازن مع قوى أخرى في المنطقة، دون السماح لها بمواصلة مشروعها التوسعي القائم على أسس مذهبية وطائفية في منطقة تشهد موجة من الاضطرابات.

 

خاتمة:

يمكن القول إن إيران في ضوء الظروف السياسية الخارجية التي تعيشها والتي تتمثل بالعداء لكافة الدول في الجوار الإقليمي، وتأرجح العلاقات الروسية الإيرانية بسبب تضارب المصالح الذي قد يغير من طبيعة العلاقة في المستقبل، و التقارب الأميركي الروسي الذي بدأ من اتفاق ترامب وبوتين أثناء قمة العشرين بهامبورغ في ألمانيا على تخفيض التوتر في بعض المناطق وافتقادها القدرة على مجابهة التحولات في السياسات الإقليميّة كما الحال في السياسة التركية، والانتشار العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة، أن كافة الظروف والأطراف تجتمع لمحاصرة إيران وتقليم أظافرها في سوريا وميليشياتها وضرب مشروعها التوسعيّ، ويشير إلى ذلك تصريحات بعض مسؤوليها على تورط إيران في سوريا وعدم امتلاكها «استراتيجيّة الخروج» نتيجة ضرب الميليشيات عسكريًّا من موسكو وواشنطن[24].

 


المراجع:

[1] مركز الشرق العربي - لهذه الأسباب تقف إيران إلى جانب حليفتها الضعيفة والمكلفة سوريا – من الصحافة العالمية - نيكولاس بلانفورد – ترجمة قسم الترجمة في المركز - https://goo.gl/fsJPGL

[2] مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية – د. محمد السعيد إدريس - تحالف الضرورة بين إيران وروسيا.. جدل التفاعل بين الفرص والتحدّيات https://goo.gl/a3gnQW

[3] النهار – محمد نمر - بين روسيا "العظمى" وإيران "المهمة"... قراءة في "التباين" حيال سوريا والأسد https://goo.gl/ahDtTv

[4] العدية - فاتح حسون للعدية: قوات الدول الثلاث في ادلب للرقابة ولن يكون لها سيطرة http://www.aladeyehnews.com/archives/13065

[5] مركز طوران للأبحاث والدراسات الاستراتيجية – النقيب رشيد حوراني - ارتدادات التدخل العسكري الإيراني في سوريا https://goo.gl/m92vRS

[6] الدفاع الوطني اللبناني –  العميد الركن المتقاعد نزار عبد القادر - الشراكة الروسية – الإيرانية في سوريا تأثيرها على الوضع الجيو-استراتيجي في الشرق الأوسط https://goo.gl/dgbGXL  

[7] مركز حرمون للدراسات المعاصرة – وحدة دراسة السياسات - https://harmoon.org/archives/7569

[8] المدن – سيباستيان حمدان - ماذا تُخفي "مناطق خفض التصعيد "جنوب سوريا لإيران؟ https://goo.gl/HNFW4i

[9] مؤسسة يقين الإعلامية - اللواء 313.. جيب إيران الجديد في درعا http://www.yaqeen-sy.net/archives/3192

[10] العربي21 - خبير إسرائيلي: إيران وإسرائيل على شفا منحدر زلق https://goo.gl/7dnDYQ

[11] هيومن فويس - توتر تركي إيراني بعد عملية “غصن الزيتون https://human-voice.co/policy/26797/

[12] عربي 21 - مركز إيراني: أنقرة المنتصرة بسوريا وطهران الخاسر الأكبر https://goo.gl/BgNg9G

[13] هيومن فويس – مترجم - باحث إسرائيلي: تركيا لم تعد حذرة بسوريا https://human-voice.co/translation/26886/

[14]   رادیو فردا الإيراني - أمين سر مجلس صيانة الدستور: أنا قلق بشأن ما سيحدث من أحداث في العام المقبل - ترجمة: النقيب المهندس ضياء قدور https://www.radiofarda.com/a/iran-janatti-recent-protests/29020844.html

[15] أورينت نت - إيران "ترشو" روسيا بقواعد عسكرية https://goo.gl/CqYQS2

[16] العربية نت -تيلرسون: باقون عسكرياً في سوريا لمنع عودة داعش https://goo.gl/Y3DkW3

[17] الفيحاء نت عن موقع نون بوست – حذيفة العبد - إيران تدق أجراس الإنذار: نحن الخاسر الأكبر في الحرب السورية http://alfayha.net/?p=46587

[18]تشرين - أبادي: إيران إلى جانب سورية في مرحلة إعادة الإعمار https://goo.gl/SUkutR

[19] مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات - النفوذ الإيراني في المنطقة العربية بعد سقوط حلب | الآفاق والحدود https://goo.gl/rLCtNw

[20] مركز طوران للدراسات والأبحاث الاستراتيجية – النقيب رشيد حوراني - ارتدادات التدخل العسكري الإيراني في سوريا https://goo.gl/m92vRS

[21] نون بوست – محمود رأفت - الفيلق الخامس في سوريا.. دلالات القرار وحتمية الانهيار http://www.noonpost.org/content/16225

[22] مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية – د. أحمد السيد أحمد - قمــــــة الريـاض وآفـاق الــدور الإيرانـي في الإقليــم https://goo.gl/Cu3xf3

[23] الخليج أونلاين - الحرس الثوري "منظمة إرهابية" على قائمة "الخزانة" الأمريكية http://klj.onl/ZBXBn5

[24] المواطن - مطامع إيران في سوريا تتلاشى وطهران تبحث عن استراتيجيّة الخروج https://goo.gl/ADvBAq

 

____________________________________________________________________

(للاطلاع على الدراسة كملف pdf يُرجى تحميل الملف المُرفق أعلى الصفحة)

---------------------------------------------------------------------------------------

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام © 2018

تصويت

هل أعجبك الموقع؟

القائمة البريدية


2015 © جميع الحقوق محفوطة للمؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام, تنفيذ وتطوير شركة SkyIn